الجاحظ
230
رسائل الجاحظ
وللمعاني دلالات وأسماء ، فمن دل على المعنى بواحدة منها ، وباسم من أسمائها ، لم نسأله أن يوفينا الجميع ، وأن يأتي على الكل ، ولم يلتفت إلى منع ما منع ، إذا كان الذي منع مثل الذي أعطى . [ 18 - وليس موحدا من يقول إن اللّه جسم ] وقد أنبأ اللّه عن نفسه ، على لسان نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فأقر القوم بظاهر هذا الكلام ، ثم جعلوه في المعنى [ جسما ] يشبه كل شيء ، وإذ جعلوه جسما ، فقد جعلوه محدثا ومخلوقا ، لأن دلالة الحدوث ، والشهادة على التدبير ، ثابتان في الأجسام ، وإنما لزمها ذلك لأنها أجسام لا لغير ذلك ، لأن الجسم إذا تحرك وسكن ، وعجز وقوي ، وبقي وفنى ، وزاد ونقص ، ومازج الأجسام وتخلص لأنه جسم ، ولولا أنه جسم لاستحال ذلك منه ، ولما جاز عليه هذه الأمور التي أوجبتها الجسمية ، [ و ] هي الدالة على حدوث الأجسام . فواجب أن يكون كل جسم كذلك ، إذا كانت الأجسام مستوية في الجسمية وإذا ، كان كل جسم منها أيضا لزمه ذلك . [ 19 - بعض المشبهة قالوا إن اللّه جسم ليخرجوه من العدم ، وليعقل إذ لا يعقل سوى الجسم ] وقد اختلف أصحاب التشبيه في مذاهب التشبيه . فقال بعضهم : نقول : إنه جسم ، وكل جسم طويل . وقال آخرون : نقول : إنه جسم ، ولا نقول إنه طويل ، لأنا إنما جعلناه جسما لنخرجه من باب العدم ، إذ كنا متى أخبرنا عن شيء ، فقد جعلناه معقولا متوهما ، ولا معقول ولا متوهم إلا الجسم . وليست بنا حاجة إلى أن نجعله طويلا ، وليس في كونه جسما إيجاب لأن يكون طويلا . . . لأن الجسم يكون طويلا وغير طويل ، كالمدور ، والمثلث ، والمربع ، وغير ذلك ، ولا يكون الشيء إلا معقولا ، ولا المعقول إلا جسما . فلذلك جعلناه جسما ، ولم نجعله طويلا .